لمفهوم السّيادة تاريخٌ نظريّ سابـقٌ لتجربة فرض المبدإ سياسيّـاً، في معاهدة ويستفاليا (1648)، لكنّه متساوِق - في الوقـت عـينِـه - مع محاولة الانتـقال بالكيانات السّياسيّة الأوروبيّـة إلى عتبة الدّول، أي على النّحو الذي تُـفْصِح فيه عن ميلها إلى إنفاذِ سلطةٍ عليا تصبح، شيئاً فشيئاً، منفصلةً عن الحاكم - أو غيرَ مجسَّـدَة فيه على ما كان عليه أمرُهـا قـبْلاً - ومجسَّـدةً في الدّولة.

هكذا كان السّعيُ في بناء مفهوم السّيادة، ثـمّ في تأسيس نظريّـتها، مترافـقاً مع سعْيٍ سياسيّ (فرنسيّ خاصّـةً) إلى الانتقال إلى لحظة الدّولة. الأمر الذي حَمـلتْ عليه التّجـربةُ المريرة للحـروب الدّينيّـة الأوروبيّـة، في القرن السّادس عشر، مثلما عُـوِّل عليه من أجل إنهائها ووضْـع قاعدةٍ سياسيّة لذلك: في داخل البلد الواحد وبين البلدان.

يعود إلى المفكّـر الفرنسيّ جان بـودان (1530- 1596) فضـلُ بناء مفهوم السّيـادة - سيادة الدّولة - بعد أن تبيّـن له الفارق بين الدّولة، بوصفها كيانـاً متعاليـاً، والسّلطة التي ظلّت موضـعَ تـفكـيرِ من كتبوا قـبله في السّياسة. حتّى ميكياڤـيللّي نفسه ربّما يكون قـد مهّـدَ لنظريّـةٍ في السّياسة، إجـمالاً، حين فَصَل - في كتابه الأميـر- بين السّياسة والأخـلاق مقيـماً الأولى على مبدأ المصلحة، لكنّـه لم يُمـهِّـد - قطـعاً - لنظريّـة السّيادة لأنّ مدار تفكيره، ببساطـة، كان على شخص الحاكم (= السّـلطة) وكيف ينبغي له أن يَسـوس شعـبه، ويحقّـق الاستقرار ولو من طريق الطّـغيان؛ ثمّ لأنّـه لم يضع قلمـه تحت تصـرُّف دولـةٍ؛ فـفلورانسا حينها لم تكن دولةً بالمعنى الحقيق للكلمة. كان لا بـدّ من فصـلٍ ثـانٍ جديد لتقوم نظريّـة السّيادة: الفصل بين الدّولة والسّلطة، حيث السّيادة مِـدْماك من مـداميك الدّولـة؛ وبـودان هو من اهتـدى - قـبل هوبـس بقـليل - إلى وجوب إقامـة ذلك الفصل بينهما ففتح بذلك أفـقاً أمام نظريّـة السّيادة.

ما كان يمكن لتجربـة الحرب الأهليّـة داخل فرنسـا، وداخل كـلّ بلدٍ في أوروبـا، بين الكاثوليك والپـروتستانت غير أن تقـود بودان - مثلما قادت بعـده بسبعة عقـود توماس هـوبس - إلى التّسويغ لشيءٍ من الحكم المطلق من أجل وضْـع حـدٍّ للمذابـح المتبادلة وفرض الأمـن الاجتماعيّ والنّظام على الجميع. غير أنّ التّدقيق قليـلاً في المسألة يُـطْـلِعنا على أنّ بـودان ما كان يعنيه، إطلاقاً، التّـنظير للاستبداد ولمشروعيّـة إطلاق يـد الحاكم في الرّعيّـة لفرض النّظام (على الرّغـم من صلته بالملك وخدمته له)، بل أَهَـمَّـه أن يكون للدّولة السّـلطانُ القـويُّ الذي بـه تفرض هيبتـها و، بالتّـالي، تستطيع به أن تتولّـى إدارة أمـور المجتمع على مقتضى المصلحة العامّـة. هذه حقيقة لا تتـبدّى جيّـداً إلاّ لدى مَـن تَـفـرَّق عنده معنى الدّولـة عن معنى السّلـطة. هـذه واحدة؛ الثّانيـة أنّ مـبْعـث فكرة السّيادة عنـده واقـعُ الحال التي كانت عليها الدّولـةُ في فرنسا وما كان يعتـريـها من انقسامٍ لم يكن معه - أمامـه - سـوى النّـظر إلى السّـيادة بوصفها تلك السّلـطة العـليا المطلقـة التي تُـخضِـع لها باقي السّلطـات من أجـل فـرض وحـدة الدّولـة.

إنْ تـركْـنا، جانـباً، هـذه الحيـثـيّـات التّاريخيّـة والسّياسيّـة الخاصّـة بأوروبا الحـروب الـدّينيّـة، وفرنسا على وجْـه التّحـديد، سنُـلـفـي أنّ تصـوّر بـودان للسّـيادة وربْـطَـه الدّولة بها سيتحـوّل إلى معتـقـد عـامّ لـدى من تـأثّـروا بنظريّـته بعده من الفلاسفة ومـفـكّري السّياسة؛ منذ غروتيـوس وهـوبس ولـوك وسپـينوزا ومونـتسكـيو حتّى اليوم. ولـقـد ساعدت أوفـاق معاهـدة ويستـفاليا، وتشديدُ أحكامها على مبـدإ احترام السّيادات الوطنيّـة للدّول، في تمكين فـكـر بـودان مـن ممارسة ذلك التّـأثير الكبير في الفكـر السّياسيّ اللاّحـق؛ لأنّ أثـرَ أفكاره حـول السّـيادة باديـةٌ - بُـدُوّاً لا غبـار عليه - في أحكام المعاهـدة تلك. لذلك بات يمكن تجريـدُ معظم الأفكـار المقـترنـة بالسّيادة أو المتفـرّعـة منها من شروطها التّاريخيّـة والاجتماعيّـة الخاصّـة والنّظر إليها، بالتّـالي، من زاويـة عـموميّـتها وشمولها حالات الـدّول جميعَها. قـد نعثر، هنا وهناك، على فروق بين نظريّـة السّيادة لـدى هذا التّـيّـار الفلسفيّ والقانـونيّ ونظريّـتها لـدى ذلك التّـيّار الآخـر، لكنّ المشتَـرَكَـات بينها تظـلّ عديدة وتظـلّ هي قـطب الرّحـى في كـلّ فكـرةِ السّـيادة.

مـا كان مـوْضـعَ إجماعٍ بين مَـن تناولوا السّـيادةَ بالـدّرس هـو أنّ هـذه - ومن حيث هي سلطـةٌ عليا لـذاتٍ مـجـرّدة هي الـدّولـة - تتجلّـى في سلطة الأمـر، أي في إصـدار الأوامـر وإلزام المأمورين بطاعتها وعـدم انتهاكهـا تحت أيّ ظـرف. تُسـمّى هذه السّلطـة عند منظّـري السّـيادة - كما لـدى الدّول والقائمـين عليها - بسلطة سـنّ القـوانـين؛ وهي تُـضْمر- في الوقـت عينِـه - سلطة إبطال القوانين (السّابـقة). قـد تكون هذه السّـلطة في يـد البرلمان، أو في يـد الملك (= الرّئـيس)، أو قد تكون شراكـةً بينهما (تبـعاً لنوع النّظـام السّياسيّ القائـم) و، بالتّالي، قد تتجسّد السّيادة في الملك (توماس هـوبس) أو في المجلس التّـشريعيّ (جـون لوك)، وقد تتجسّـد في الشّعب (كما في إعـلان الثّـورة الفرنسيّـة)، غير أنّـها وفي الأحـوال جميـعِها السّلطةُ التي لا سيادة من دونـها، لأنّ بها يتحصّـل ولاءُ المواطنين للـدّولة، وتستـتبّ السِّـلم الاجتماعيّـة. أمّـا الوجْـهُ الثّاني للسّيادة الذي ظـلّ مـوْطنَ إجـمـاعٍ فهـو الذي أرستْ معناهُ أحكام معاهـدة ويستفاليا: عـدم نيْـل دولـةٍ ممّا تـتمتّـع به دولـةٌ أخـرى من سلطة على أراضيها ومواطنيها. إنّـه الوجـه الخارجيّ للسّيادة.